ابن الأثير
39
الكامل في التاريخ
أن يحضر إلى دمشق ، وكان يخاف جماعة المماليك لأنه كان أساء إليهم وعاملهم أقبح معاملة ، فكلهم عليه حنق ، لا سيما في الحادثة التي خرج فيها شمس الملوك ، وقد تقدمت ، فإنه أشار بقتل جماعة أبرياء وبقتل سونج بن تاج الملوك ، فصاروا كلهم أعداء مبغضين . فلما طلب الآن الحضور إلى دمشق أجيب إلى ذلك ، فأنكر جماعة الأمراء والمماليك قربه ، وخافوه أن يفعل بهم مثل فعله الأول ، فلم يزل يتوصل معهم حتى حلف لهم واستحلفهم ، وشرط على نفسه أنه لا يتولى من الأمور شيئا . ثم إنه جعل يدخل نفسه في كثير من الأمور ، فاتفق أعداؤه على قتله ، فبينما هو يسير مع شمس الملوك في الميدان وإلى جانبه أمير اسمه بزاوش يحادثه ، إذ ضربه بزاوش بالسيف فقتله ، فحمل ودفن عند تربة والده بالعقيبة . ثم إن بزاوش والمماليك خافوا شمس الملوك ، فلم يدخلوا البلد ، ونزلوا بظاهره ، وأرسلوا يطلبون قواعد استطالوا فيها ، فأجابهم إلى البعض ، فلم يقبلوا منه ، ثم ساروا إلى بعلبكّ ، وبها شمس الدولة محمد بن تاج الملوك صاحبها ، فصاروا معه ، فالتحق بهم كثير من التركمان وغيرهم ، وشرعوا في العيث والفساد ، واقتضت الحال مراسلتهم وملاطفتهم وإجابتهم إلى ما طلبوا ، واستقرت الحال على ذلك ، وحلف كل منهم لصاحبه ، فعادوا إلى ظاهر دمشق ولم يدخلوا البلد . وخرج شهاب الدين ، صاحب دمشق ، إليهم واجتمع بهم وتجددت الأيمان ، وصار بزاوش مقدم العسكر وإليه الحل والعقد ، وذلك في شعبان ، وزال الخلف ، ودخلوا البلد ، واللَّه أعلم .